التفكير متعدد الأبعاد

التفكير متعدد الأبعاد

سنتناول في هذه التدوينة قضية أساسية في طرائق التفكير، ولا تخلو من محتوىً فيزيائي وبرمجي ماتع مصوغاً بطريقة أدبية. لا تقلق، فستألف هذا في مدونتي 🙂

يميل العقل البشري إلى تصنيف الأشياء من حوله وتقسيمها إلى فئات وفق وفقط خصائصها وسلوكها المميز، فهناك الكائنات الحية والجماد، والفقاريات والافقاريات، والعواشب واللواحم … (وهذا مبدأ البرمجة غرضية التوجه!)

وتختلف قواعد التصنيف وفقاً لثقافة الشخص ومستواه العملي والفكري وعمله الذي يمارسه؛ فتجد داعية يقسمهم إلى ملتزم وغير ملتزم، مهووساً بالكمبيوتر يقسم العالم إلى مبرمجين وغير مبرمجين.

وكما تقول الطرفة:

يوجد فقط 10 نوع من البشر.

أولائك الذين يفهمون الأرقام الثنائية وأولائك الذين لا يفهمونها.

(إن لم تفهم الطرفة، فهذا لأنك لا تفهم الأرقام الثنائية 🙂 )

وتصنيف الأمور مفيد في نواح كثيرة، إذ يساعد في تسهيل دراستها، وتنظيمها والتعامل معها.

لكن عيوب هذا التصنيف يظهر في كثير من الأحيان بشكل أشد وطأة من فوائده، فنضطر أحياناً إلى حشر بعض الأمور في التصنيف الأقرب، عندما لا نجد تصنيفاً مناسباً. أو أن نعمم خصائص الصنف بشكل جائر ولا نقبل استثناءات وحالات خاصة. كما يحدّ التصنيف في كثير من الأحيان استيعابنا للمشهد العام.

قبل أن نبدأ بتحرير أنفسنا من عقدة التصنيف، إليك هذا التمرين العقلي المفيد:

تجربة اكتشاف الزمن

من أروع ما بالفيزياء، أنها تمكنك من استيعاب أمور قد تبدو جنوناً للوهلة الأولى.

عندما بدأت أولى مغامراتي في فهم مبادئ النظرية النسبية، وجدت عائقاً كبيراً في استيعاب الزمن كبعد رابع! بالحقيقة كنت قد قرأت عنه ما يكفي ولكنني لم أدركه عقلياً. إلى أن قرأت شرحاً ماتعاً في أحد الكتب (لا أذكر اسمه) أسرده هنا بطريقتي الخاصة:

لنفرض أننا مخلوقات نقطية نعيش على خط مستقيم، ولا يوجد في حياتنا سوى اتجاهين اثنين، للأمام والخلف. ولنفرض أنني تركت صديقي النقطة X خلفي وسرت باتجاه الأمام، وبعد مسير ساعات حدث معجرة! وجدته يظهر من أمامي! كيف حدث هذا؟! صرخت به بخوف ما خطبك لماذا تلاحقني؟ فردّ علي أنا لم أتحرك من مكاني أنت كيف جئتني من الخلف وقد كنت انطلقت إلى الأمام؟ عندها فقط أمكنني إدراك أنني كنت أسير في حلقة كبيرة، وأدركت البعد الثاني.

الآن لنفرض أننا مخلوقات مسطحة نعيش على صفيحة، ويمكننا النظر حولنا بزاوية 360 درجة، دون أن نستطيع النظر للأعلى أو الأسفل. ولنفرض أنني تركت صديقي X (نفسه) خلفي وسرت باتجاه الأمام، وبعد مسيرة ساعات حدثت نفس المعجزة! وجدته يظهر أمامي مرة أخرى! وعندها أدركت أنني كنت أسير على اسطوانة أو كرة كبيرة، وأدركت البعد الثالث.

وبمحاكات عقلية مشابة يمكنك إدراك البعد الرابع (الزمن)، وإن كان بطريقة عقلية غير قابلة للرسم.

كسر الحواجز

الآن وبتعميم مفهوم النسبية المطلقة الذي تحدثت عنه مسبقاً، يمكنك التخلص من عقدة التصنيف.

فلا يصح تصنيف الأجيال إلى قديم وحديث؛ بل كل فرد يتباين فيه حداثة تفكيره بدرجات مختلفة، وتتباين ميول الفرد إلى الحضارة الغربية ومستوى التفتح العقلي و … إلخ.

وفي الفيزياء، تقترح إحدى نظريات الأوتار إلى أن للكون 11 بعداً*، في حين تذهب نظرية الكون المتعدد إلى عدد لا نهائي من الأبعاد*!

فلا يجوز لنا أن نرى العالم بالأبيض والأسود، ولا بتدرحات الرمادي، لأن كل شيء يتباين بألوان الطيف وتدرجاته اللانهائية. واحتمال اكتشافنا لمزيد من الأبعاد والتدرجات قائم ومطروح وممكن في أي لحظة.

إذاً فلا شيء ينتمي لصنف محدد، بل قبولنا بالتصنيف هو قبول مجازي فقط!

والآن يمكنك أن تفحص نظرك لتتأكد من أنك ترى العالم بتدرجات كافية

تحديث: هدفي من هذه التدوينة لفت الانتباه إلى وجوب التفكير بعمق أكبر ووضع احتمالات أخرى دائماً. ولكن هذا لا يعني بشكل من الأشكال أن نصدق أو نهتم بأفكار ذات احتمالات شديدة الضآلة! أو حتى أن نعيرها اهتماماً إن لم تكن تستحق ذلك!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s