التسويق في عصر التلفيق !

Posted: 01/01/2011 in فلسفتي, خواطر وأفكار
الوسوم:, , , , , ,

هذه التدوينة تدور في ذهني منذ الأزل … وآن الأوان لأصرخ بها بأعلى صوتي وأنشرها على الملأ

التسويق حسب تعريف بيتر دراكر له هو «صُنع/خلق العميل – Create a customer». ويمكن أن يأخذ أشكالاً متعددة، من تخطيط وتسعير وتوزيع ونشر الأفكار والخدمات والمنتجات …

ولعل أكثرها قبولاً للمستهلك (بالنسبة لي على الأقل!) عندما يأخذ شكل الإعلام بخصائص ومزايا المنتج، فهو إذاً إيصال للمعلومة بطريقة محببة لزيادة احتمال بيعها.

المشاكل الأخلاقية! الربح قبل كل شيء.

يضع التسويق في معظم الحالات الربح قبل كل شيء، وذلك انطلاقاً من عقيدة مادية بحتة وكما يقال «رأس المال كافر» فليس له في غالب الأحيان أي مبادئ أو أهداف غير الربح، ولا يتوانى عن استخدام أي وسيلة للوصول إلى هدفه. ويستخدم في ذلك أسلحة قوية من علم النفس الحديث والتنويم بالإيحاء والرسائل الغير مباشرة إلى العقل الباطن.

مازلت أذكر في فترة من الفترات التي داومت فيها على مشاهدة إعلانات على قناة MBC 2 في محاولة لتحليل واستخراج الرسائل المراد إيصالها من الإعلان، وبوضوح كاف توصلت إلى أن الغالبية العظمى من الإعلانات كانت تسوّق للشاب والفتاة “الكول” المتحررين والمخالفين المبهورين في أسوأ ما في الغرب من عادات، ولا تخفى الإشارات الجنسية في معظمها، حتى أن بعضها كان شاذاً! نعم فما زلت أذكر إحدى دعايات الشامبو التي “تتغزل” فيها فتاة بصديقتها وشعرها وسلوكها بصوت دافئ وحنون!

وينطوي التسويق في كثير من الأحيان على الغش والتدليس، وهو محرم في الإسلام، فقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغش وتوعّد فاعله، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على صُبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً. فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني» وفي رواية «من غشنا فليس منا» [رواه مسلم].

فهل يضع التسويق دائماً الربح قبل كل شيء؟

لا، فأحياناً يكون التسويق لأفكار وإيديولوجيات يراد زرعها في المجتمع، وذلك لأهداف دينية أو سياسية أو غيرها. وعندها يكون أخطر ما يكون حيث تُصرف الأموال بغزارة لتحقيق تلك الأهداف (كما سمعنا أنه حدث في الدعايات الانتخابية في لبنان والأموال الخارجية التي تم ضخها للتسويق وعمليات شراء الأصوات المبرمجة مثلاً ؟!)

لطالما سمعت عباراتٍ بغيضة من المسّوقين مثل: «أستطيع بيع الثلج لسكان الإيسكيمو !» حيث يفتخر المسوق بقدراته التسويقية التي تمكنه من خداع العميل واللعب عليه بحيث يدفعه لشراء مالا يحتاج. هل تعلم أن المواطن الأمريكي يتعرض لأكثر من 3000 رسالة دعائية يومياً! [التسويق للجميع – صفحة 34] فهل نحن بحاجة لكل ذلك؟ أوليست معظم مشاكل العالم تأتي من تحفيز الطمع البشري واستهلاكنا لما لسنا بحاجة إليه ؟

التسويق وانزياح التكاليف:

كلنا يعلم الأموال الهائلة التي تصرف على التسويق والدعاية في هذه الأيام، حيث تذهب نسبة كبيرة من تكاليف المنتج إلى التسويق، والمستهلك عملياً يدفع ثمن هذا التسويق ولا يحصل مقابله على أي تحسن أو إضافة تذكر في جودة المنتج أو مزاياه!

قال لي أحد المسوقين ذات مرة «لوكان معي 100 دولار لصرفت 99 منها على التسويق لمنتج سعره دولار واحد» فهو لن يتوانى عن صرف معظم رأس المال على التسويق لمنتج تافه لا يكلف شيئاً، فبدل العناية بجودة المنتج انساق وراء جودة التسويق والتي تدر عليه المزيد من الربح.

وأستغرب فعلاً من جهل كثير من المستهلكين لهذه الحقيقة البسيطة !

التسويق دفاعاً عن النفس!

في ظلّ هذا الواقع، يمكن لمنتجك أن يضيع بسهولة في هذا البحر المتلاطم من التلفيق وتشويه الحقائق، فلا تكفي جودة المنتج ورخص ثمنه وكثرة ميزاته في انتشاره أو زيادة بعه وأرباحه دون تسويق يمكنه من الوقوف بوجه المنافسين ودعاية تعلم المستهلكين بوجوده!

لقد أدركت هذه الحقيقة مؤخراً فقط عندما بدأت محاولة بيع بعض منتجاتي !

رأي مسوّق:

في حوار دار مع صديقي العزيز جابر نحلة، وهو طالب اقتصاد اختصاص تسويق، ومسوق متمرس. بيّن لي بعض الأمور من وجهة نظره: فالتسويق عنده هو السعي نحو تحقيق المصالح المشتركة للمنتج والمستهلك معاً، من زيادة أرباج المنتج والارتقاء بالمنتج ليلبي حاجات المستهلك. والتسويق كأي سلوك إنساني قد يخضع للمصالح الشخصية دون مبادئ أو أخلاق، لكن ليس بالضرورة. وممارسات المسوقين وأساليبهم قد تختلف بشكل كبير وفقاً لمبادئهم وخلفياتهم.

دعوة إلى المنطق: الأفضل هو الأفضل!

لو أردنا الوصول إلى تسويق أخلاقي وتبيين للتميّز الحقيقي للمنتجات علينا اتباع أسلوب إعلام حيادي بمزايا المنتج، ولكن هذا صعب المنال، فلا يمكن تغيير عقول جميع المنتجين ومبادئهم!

ولكن ما يمكن القيام به هو توعية المستهلك إلى حقائق التسويق وأساليبه وإكسابه مهارة تقييم المنتج بدلاً من تقييم الدعاية! ومناعة ضد تسويق الأفكار والانخداع بها، بل إعمال عقله بها، وأخذ ما يقتنع به. ويجب أيضاً زرع ثقافة القناعة وعدم الانجرار تحت وطأة أساليب التسويق إلى شراء ما لسنا بحاجة إليه.

ما رأيك أنت بالموضوع؟

هل تبرر أساليب التسويق؟

وهل حاولت التسويق لنفسك أو لمنتجك بطريقة أخلاقية؟ وهل نجحت في ذلك؟

تعليقات
  1. جابر نحلة كتب:

    صديقي العزيز اشكرك على طرح هذا الموضوع و الذي به الكثير من الالتباس

    سأحاول التكلم باختصار قدر الإمكان و إيصال الفكرة .. رغم أن الموضوع يحتاج إلى كثير من النقاش

    إن الذي تتكلم عنه في هذا النقاش الجميل ليس تسويقاً بل هو مجرد بيع , و البيع هو احد وظائف التسويق و الذي
    لا يكتمل دون النشاطات الأخرى و تكاملها ..

    ما تحدثت عنه هنا هو البيع في ضل ثقافة تسويقية التي احب أن طلق عليه اسم التسويق الكلاسيكي , و لكن مع تقدم هذا العلم حديث النشأة
    و وجود النظريات الحديثة في التسويق تغير الفكر التسويقي تماماً , و اصبح الهدف الرئيس للنشاط التسويقي هو إرضاء
    الزبون و معرفة احتياجاته و تلبيتها بالشكل الأمثل .. و من ثم تسعيرها بما يتلاءم مع إمكاناته ..
    باختصار اصبح الزبون في المرتبة الأولى , ليس بهدف الربح فقط بل وجدت المؤسسات و المنشأة أن هذا المبدأ هو فقط
    الذي يمكن أن يحقق استمرارها , هذا الاستمرار اهم أركانة المصداقية و القرب من العميل و تلبية احتياجاته .. أو هذا ما تسميه انت في موضوعك التسويق الأخلاقي

    إن الدور الرئيس للنشاط التسويقي هو إيجاد صلة تربط المنشأة بالمستهلك و العكس , و لن توجد هذه الصلة ما لم تبنى على ثقة المستهلك
    و رضاه عن المنتج ..

    دور التسويق الحديث يبدأ قبل الإنتاج و لا ينتهي بعده .. و لكن كيف ؟
    قبل إنتاج المنتج يقوم رجال التسويق بدراسة الأسواق و التعرف على رغبات و احتياجات الناس و قدرتهم الشرائية .. الخ ..
    ثم يتم اقتراح المنتج أو المنتجات المطلوبة أو التي يحتاجها الناس و البدء بصناعتها ..
    و من ثم تسعير المنتجات و تصميمها و من ثم تبدأ الحملات الإعلانية و الترويجية و من ثم التوزيع فالبيع
    و لكن دور التسويق لا يتوقف في هذه المرحلة بل يستمر لمعرفة ردود فعل المستهلكين عن المنتجات
    و تامين خدمة الزبائن لهم .. الخ ..
    ثم توقع الحاجات المستقبلية ..
    أي لا يتوقف ..

    و من الأمثلة على شركات تتبع المفهوم الحديث للتسويق .. شركة تويوتا فهي تهتم برضا الزبون أولا
    و عند حصول مشكلة في نظام التعليق سحبت مئات آلاف السيارات من الأسواق و أصلحت المشكلة
    رغم أن هذه المشكلة يصعب اكتشافها من قبل الأناس العاديين و تحتاج إلى مختصين لاكتشافها

    و مثال آخر شركة نسلة وقصة برادة الزجاج التي وجدت في حليب الأطفال في فرنسا حيث قامت بسحب منتجاتها من الأسواق
    و معالجة و تعويض جميع الأطفال الذين تضرروا و تقديم الهدايا لهم ..

    و أنا كرجل تسويق أقول و من وجهة نظري .. أن الزبن هو نقطة البداية و نقطة النهاية في أي عمل و مستوى رضاه عن المنتجات
    هو معيار نجاحي و نجاح المنشأة أياً كانت ..

    محبتي

  2. shabayek كتب:

    التسويق أداة من ضمن أدوات كثيرة..

    خذ مثلا السكين، يمكنك أن تستعملها لذبح بقرة توزعها على الجوعى والفقراء، أو تذبح بها انسانا دون وجه حق…

    فهل تلوم السكين في الثانية، وتمدحها في الأولى؟ لا طبعا، إن اليد التي أمسكت السكين واستعملته لتنفيذ ما أرادات هي الملومة… وهي التي تتحمل العاقبة.

  3. علاء كتب:

    دائماً تبهرني يا حسام بدائرة اهتماماتك

    على كل موضوع آخر على الجرح
    النقطة أننا لم نصل إلى المستوى الذي نبحث فيه عن رضا الزبون
    صديقك صاحب منطق جيد جداً تحياتي واحترامي له

    تحياتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s